فصل: الخبر عن مراسلة يوسف بن يعقوب سلطان بني مرين ومهاداته

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن خروج الدعي ورجوعه واستيلاء السلطان أبي حفص على ملكه وغلبه ومهلكه

لما ظهر السلطان أبو حفص وبايعه العرب تسامع أهل الحضرة واجتمع إليه الناس وأوقع الدعي بأهل الدولة فمقتوه‏.‏وخرج من تونس يريد قتاله فأرجف به أهل معسكره ورجع منهزماً‏.‏ودخلت البلاد في طاعة السلطان أبي حفص ونهض إلى تونس فنزل بسحوم قريباً منها‏.‏وعسكر الدعي بظاهر البلد تجاهه وطالت بينهما الحرب أياماً والناس في كل يوم يستوضحون خبء الدعي ومكره إلى أن تبرأوا منه وأسلموه ودخل من مكان معسكره ولاذ بالاختفاء‏.‏ودخل السلطان البلد في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين واستولى على سرير ملكه وطهره من دنس فاضحه ودعيه واختفى الدعي بتونس وغاص في لجة ساكنها وأحاط به البحث فعثر عليه لليال من مدخل السلطان بدول بعض السوقة يعرف بأبي القاسم القرمادي فهدمت لحينها‏.‏وتل إلى السلطان فأحضر له الملأ ووبخه وساءله فاعترف بادعائه في بيتهم فأمر بامتحانه وقتله وذهب في غير سبيل مرحمة وطيف بشلوه ونصب رأسه‏.‏وكان عبد الله بن يغمور المباشر لقتله وكان خبره من المثلات‏.‏واستبد السلطان بملكه وتلقب المستنصر بالله‏.‏وبرز الناس إلى الدخول في طاعته‏.‏وبعث أهل القاصية بيعتهم من طرابلس وتلمسان وما بينهما‏.‏وعقد للشيخ أبي عبد الله الفازازي على عسكره وعلى الحروب والضاحية وأقطع البلاد والمغارم للعرب رعياً لذمة قيامهم بأمره ولم يكن لهم قبلها إقطاع‏.‏وكان الخلفاء قبله يتحامون عن ذلك ولا

  الخبر عن استيلاء العدو على جزيرة جربة وميورقة ومنازلته المهدية وأجلابه على السواحل

كان من أعظم الحوادث في أيام هذا السلطان تكالب العدو على الجزر البحرية فاستولت أساطيلهم على جزيرة جربة في رجب من سنة ثلاث وثمانين ورياستها يومئذ من محمد بن سمون شيخ الوهبية ويخلف بن أمغار شيخ النكارة وهما فرقتا الخوارج‏.‏وزحف إليها المراكيا صاحب صقلية نائباً عن الفدريك بن الريداكون ملك برشلونة في أساطيله البحرية وكانوا فيما قيل سبعين أسطولا من غربان وشواني وضايقهم مراراً‏.‏ثم تغلبوا عليها فانتهبوا أموالها واحتملوا أهلها أسرى وسبياً يقال أنهم بلغوا ثمانية آلاف بعد أن رموا بالرضع في الجبوب فكانت هذه الواقعة من أشجى الوقائع للمسلمين‏.‏ثم بنوا بساحلها حصناً واعتمروه وشحنوه حامية وسلاحاً‏.‏وفرض عليهم المغرم مائة ألف دينار في السنة وأقاموا على ذلك‏.‏وهلك المراكيا على رأس المائة وبقيت الجزيرة في ملكة النصارى إلى أن أعادها الله في أواخر الأربعين والسبعمائة كما نذكر‏.‏وفي سنة خمس وثمانين ظفر العدو بجزيرة ميورقة ركب إليها طاغية برشلونة في أساطيله في عشرين ألفاً من الرجال المقاتلة ومروا بميورقة كأنهم سفر من التجار وطلبوا من أبي عمر بن حكم رئيسها النزول للاستقاء فأذن لهم‏.‏فلما تساحلوا آذنوا أهلها بالحرب فتزاحفوا ثلاثاً يثخن فيهم المسلمون في كلها قتلا وجراحة بما يناهزوا الآلاف والطاغية في بطارقته قاعد عن الزحف فلما كان في اليوم الثالث واستولت الهزيمة على قومه زحف الطاغية في العسكر فانهزم المسلمون ولحق إلى قلعتهم فانحصروا بها وعقدوا لابن حكم ذمة في أهله وحاشيته فخرجوا إلى سبتة ونزل الباقون على حكم العدو فأجارتهم إلى جارتها منورقة واستولى على ما فيها من الذخيرة والعدد والأمر بيد الله‏.‏وفي سنة ست وثمانين بعدها غدر النصارى بمرسى الخرز فاقتحموها بعد أن ثلموا أسوارها واكتسحوا ما فيها واحتملوا أهلها أسرى وأضرموا بيوتها ناراً‏.‏ثم مروا بمرسى تونس وانصرفوا إلى بلادهم وفيها أو في سنة تسع بعدها نازل أسطول العدو مدينة المهدية وكان فيهم الفرسان لقتالها فزحفوا إليها ثلاثاً ظفر بهم المسلمون في كلها‏.‏ثم جاء مدد أهل الأجم فانهزم العدو حتى اقتحموا عليهم الأسطول وانقلبوا خائبين وتمت النعمة‏.‏

  الخبر عن استيلاء الأمير أبي زكرياء على الثغر العربي بجاية والجزائر وقسطنطينة

وأولية ذلك ومصائره

كان للأمير أبي زكرياء ابن السلطان أبي إسحاق من الترشيح للأمر بهديه وشرف همته وحسن ملكته ومخالطته أهل العلم ما شهد له بمغبة حاله وهو الذي اختط المدرسة للعلم بإزاء دار الأقوري حيث كان سكناه بتونس‏.‏ولما لحق بتلمسان بعد منجاته من مهلك أبيه ببجاية نزل على صهره عثمان بن يغمراسن بتلمسان وجاء في أثره أبو الحسين بن أبي بكر بن سيد الناس صنيعة أبيه وأخيه بعد أن خلص مع السلطان أبي حفص من الواقعة إلى مرماجنة‏.‏فلما بايع له العرب وبدت مخائل الملك رأى أبو الحسين إيثار السلطان للفازازي عليهم فنكب عنه ولحق بالأمير أبي زكرياء بتلمسان واستحثه لطلب ملكه‏.‏واستقرض من تجار بجاية هنالك مالا أنفقه في إقامة أبهة الملك له وجمع الرجال واصطنع الأولياء‏.‏وفشا

  الخبر بما يرومه من ذلك فصده عثمان بن يغمراسن عنه

لما كان تقلد من طاعة السلطان أبي حفص على سننهم مع الخلفاء بالحضرة قبله فاعتزم الأمير أبو زكرياء على شأنه وخرج من تلمسان مورياً بالصيد الذي كان ينتحله أيام مقامه بينهم ولحق بداود بن هلال بن عطاف أمير بني يعقوب وكافة بني عامر من زغبة وأوعز عثمان بن يغمراسن إلى داود برده إليه فأبى من إخفار ذفته وارتحل معه بقومه إلى آخر بلاد زغبة ونزلوا على عطية بن سليمان بن سباع من رؤساء الدواودة فتلقاه بالطاعة وارتحلوا جميعاً إلى ضواحي قسطنطينة فدخل العرب وسدويكش في طاعته‏.‏ونزل البلد سنة ثلاث وثمانين وعاملها يومئذ ابن يوقيان من مشيخة الموحدين وكان صاحب الجباية بها أبو الحسن بن طفيل‏.‏كان له من العامل فداخل الأمير أبا زكرياء في شأن البلد وشرط لنفسه وصهره فأمضى السلطان شرطهم وأمكنوه من البلد‏.‏وأقاموا بها دعوته وارتحل إلى بجاية وكانت قد حدث فيها اضطراب بين أهلها أدى إلى الخلاف والتباين‏.‏واستحثوا الأمير أبا زكرياء فأغذ السير إليهم ودخلها سنة أربع وثمانين‏.‏ويقال إن ملكه لبجاية كان سابقاً على ملكه لقسطنطينة وهو الأصح فيما سمعناه من شيوخنا‏.‏وبعث إليه أهل الجزائر وتدلس بطاعتهم فاستولى على هذه الثغور العربية وتلقب المنتخب لإحياء دين الله‏.‏وأغفل ذكر أمير المؤمنين أدباً مع عمه الخليفة بالحضرة حيث ملأ الموحدين أهل الحل والعقد من الجماعة‏.‏ونصب للحجابة أبا الحسين بن سيد الناس فقام بها ورشح ملكه وملك بنيه بهذه الناحية الغربية وانقسمت به الدولة إلى أن خلص الأمر للملوك من عقبه واستولوا على الحضرة كما نذكر‏.‏

  الخبر عن حركة الأمير أبي زكرياء إلى ناحية طرابلس ومنازلة عثمان في يغمراسن بجاية في مغيبه

لما استولى الأمير أبو زكرياء على الناحية الغربية واقتطعها من أعمال الحضرة اعتمل في الحركة على تونس فنهض إليها في سنة خمسة وثمانين‏.‏ووفد عليه عبد الله بن رحاب بن محمود من مشيخة دباب ومانعه الفازازي عن أحواز تونس فنازل قابس وحاصرها وكان له في قتالها أثر واستوت الهزيمة على مقاتلها ذات يوم فأثخن فيهم قتلاً وأسراً وهدم ربضها وأحرق المنازل في غابتها والنخل‏.‏وارتحل إلى مسراته وانتهى إلى الأبيض وأطاعه الجواري والمحاميد وآل سالم وعرب برقة وبلغه بمكانه من مسراته أن عثمان بن يغمراسن أسف إلى منازلة بجاية وكان من خبره أن الأمير أبا زكرياء لما فصل من تلمسان لطلب ملكه على كره منه وامتنع جاره داود بن عطاف من رده امتلأ له عداوة وانحرافاً وجدد البيعة لصاحب تونس وأوفد بها على ابن محمد الخراساني من صنائعه‏.‏وكان له أثناء ذلك ظهور على بني توجين ومغراوة بالمغرب الأوسط وضاق ذرع أهل الحضرة بمكان الأمير أبي زكرياء من مطالبتهم وتدويخه لقاصيتهم فدخلوا عثمان بن يغمراسن في منازلة معقله ثغر بجاية ليردوه إلى عقبه عنهم فزحف إلى بجاية سنة ست وثمانين ونازلها أياماً وامتنع عليه سائر ضواحيها ولم يظفر بأكثر من الاطلال عليها‏.‏وانكفأ الأمير أبو زكرياء راجعاً إلى بجاية سنة ست وثمانين إلى أن كان من أمره ما نذكر‏.‏

  الخبر عن فاتحة استبداد أهل الجريد

كان في بعض الأيام بين سدادة وكنومة من عمل تقيوس فتنة قتل فيها ابن لشيخ سدادة وأقسم ليثأرن فيه بشيخ كنومة نفسه وكان عامل توزر محمد بن يحيى بن أبي بكر التينمللي من مشيخة الموحدين فتذم شيخ كنومة به وبذل له مالاً على نصره من عدوه فكاتب الحضرة وأعلن بخلاف أهل سدادة واحتشد لهم أهل نفطة وتقيوس وخرج هو في حشد أهل توزر غزاهم في بلدهم ولاذ بإعطاء الرهن وبذل المال فلم يقبل فأمدهم أهل نفزاوة وزحفوا إليه فانهزمت جموعه وأثخنوا فيهم قتلاً وأسراً إلى توزر وذلك سنة ست وثمانين‏.‏ثم عاود غزوهم عقب ذلك فبلخوا عليه ثم عقد لهم سلماً على الوفاء بمغارمهم واشترطوا أن لا حكم عليهم في سواهم وأن رؤساء نفزاوة منهم فأمضى شرطهم وكانت أول استبداد الجريد كما نذكر‏.‏

  الخبر عن خروج عثمان ابن السلطان أبي دبوس داعياً لنفسه بجهات طرابلس

كان أبو دبوس آخر خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش لما قتل سنة ثمان وستين وستمائة وافترق بنوه وتقلبوا في الأرض لحق منهم عثمان بشرق الأندلس‏.‏ونزل على طاغية برشلونة فأحسن تكريمه ووجد هنالك أعقاب عمه السيد أبي زيد المتنصر أخي أبي دبوس في مثواهم من إيالة العدو‏.‏وكان لهم هنالك مكان وجاه لنزوع أبيهم السيد أبي زيد عن دينه إلى دينهم فاستبلغوا في مساهمة قريبهم هذا الوافد وخطبوا له من الطاغية حظاً‏.‏ووافق ذلك حصول مرغم بن صابر بن عسكر شيخ الجوالي من بني دباب في قبضة أسره وكان قد أسره العدى من أهل صقلية بنواحي طرابلس سنة اثنتين وثمانين وباعوه من أهل برشلونه فاشتراه الطاغية وأقام عنده أسيراً إلى أن نزع إليه عثمان بن أبي دبوس هذا كما ذكرناه‏.‏وشمر لطلب حقه في الدعوة الموحدية حيث كانت‏.‏وأمل الظفر في القاصيه لبعدها عن الحامية فعبر البحر إلى طرابلس وكان من حظوظ كرامته عند الطاغية أن أطلق له مرغم بن صابر وعقد له حلفاً معه على مظاهرته وجهز لهما الأساطيل وشحنها بالمدد من المقاتلة والأقوات على مال شرطوه له فنزلوا على طرابلس سنة ثمان وثمانين وأحتشد مرغم قومه وحملهم على طاعة ابن أبي دبوس ونازلوا البلد معه ومع جنده من النصرانية فحاصروها ثلاثاً وساء أثرهم فيها‏.‏ثم دخل النصارى بأسطولهم وأرسوا بأقرب السواحل إلى البلد وتنقل ابن أبي دبوس ومرغم في نواحي طرابلس بعد أن أنزلوا عليها عسكراً للحصار فاستوفوا من جباية المغارم والوضائع مالاً دفعوه للنصارى في شرطهم وانقلبوا بأسطولهم‏.‏وأقام ابن أبي دبوس يتقلب مع العرب‏.‏واستدعاه ابن مكي من بعد ذلك لأنه يشبه به في استبداده فلم يتم أمره إلى أن هلك بجربة والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏

  الخبر عن مهلك أبي الحسين بن سيد الناس صاحب بجاية

وولاية ابن أبي جبي مكانه قد قدمنا سلف هذا الرجل وأوليته وأنه لحق بالأمير أبي زكريا بتلمسان وأبلى في خدمته فلما استولى الأمير أبو زكريا على الثغر الغربي واقتطعه عن أعمال الحضرة ة ونزل بجاية وضاهى بها تونس عقد لأبي الحسين بن سيد الناس على حجابته وفوض إليه بابه وأجراه في رياسته على سنن ابن أبي الحسين الرئيس قبله في دولة المستنصر الذين كانوا يتلقنون طرقه وينزعون إلى مراميه بل كانت رياسة هذا في حجابته أبلغ من رياسة ابن أبي الحسين لخلاء جو الدولة ببجاية من مشيخة الموحدين الذين يزاحمونه كما كان ابن أبي الحسين مزاحماً بهم فاستولى أبو الحسين بن سيد الناس على الدولة ببجاية وقام بأمر مخدومه أحسن قيام وصار إلى الحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وتمكن في يده الزمام إلى أن هلك سنة تسعين أعظم ما كان رياسة وأقرب من صاحبه مكاناً وسراً فأقام الأمير أبو زكريا مكانه كاتبه أبا القاسم ابن أبي جبى لا أدري من أوليته أكثر من أنه من جالية الأندلس ورد على الدولة وتصرف في أعمالها واتصل بأبي الحسين بن سيد الناس فاستكتبه ثم رقاه وخلطه بنفسه وأجره رسنه وتناول زمام الدولة من يد ابن سيد الناس فقادها في يد مطهر خدمته حتى عنت إليه الوجوه وأمله الخاصة واضطلع السلطان على اضطلاعه وكفايته في أمور مخدومه وهلك أبو الحسين بن سيد الناس فرشحه السلطان بخطته فقام بها سائر أيام ابنه الأمير أبي البقاء حتى كان من أمره ما نذكره بعد‏.‏

  الخبر عن خروج الزاب عن طاعة الأمير أبي حفص إلى طاعة الأمير أبي زكريا صاحب بجاية وانتظام بسكرة في عمله

وكان السلطان أبو إسحاق قد عقد على الزاب لفضل بن علي بن مزني من مشيخة بسكرة كما قدمناه فقام بأمره‏.‏ولما هلك السلطان عدا عليه بعض أفاريق العرب الموطنين قرى الزاب بمداخلة قوم من أعدائه وقتلوه سنة ثلاث وثمانين كما نذكره‏.‏وأملوا الاستبداد بالبلد فدفعهم عنها المشيخة من بني رمان واستقلوا بأمر بلدهم وبايعوا للأمير أبي حفص صاحب الحضرة ودانوا بطاعته على السنن‏.‏وتوقعوا عادية منصور بن فضل بن مزني‏.‏وكان لحق بالحضرة عند مهلك أبيه فخاطبوا فيه السلطان أبا حفص ورموه بالدواهي فأمر باعتقاله وأودع السجن سبع سنين إلى أن فر منه ولحق بكرفة من أحياء هلال بن عامر وهم العرب المتولون أمر جبل أوراس‏.‏ونزل على الشبه من أفاريقهم فأركبوه وكسبوه ولحق ببجاية سنة اثنتين وتسعين فنزل بباب السلطان‏.‏ورغبه في ملك الزاب وصانع الحاجب ابن أبي جبى بأنواع التحف وضمن له تحويل الدعوة بالزاب لسلطانه الأمير أبي زكريا وتسريب جبايته إليه فاستماله بذلك وعقد له على الزاب وأمده بالعسكر ونازل بسكرة فامتنعت عليه‏.‏ورأى مشيختها بنو رمان بعدهم عن صريخ تونس وإلحاح عدوهم منصور بن فضل عليهم فأعلنوا بطاعة الأمير أبي زكريا وبعثوا إليه بيعتهم ووفدهم ورفع عادية ابن مزني عنهم فرجعهم بما أملوه من القبول وأن تكون أحكامهم إلى قائد عسكره‏.‏ونظر ابن مزني مصروفاً إلى الجباية فقط‏.‏ولما وصل الوفد إلى بسكرة خرجوا إلى القائد ومنصور بن مزني فأدخلوهما البلد ودانوا بالطاعة وتصرفت الأمور على ذلك إلى أن كان من أمر منصور بن مزني ما نذكره في أخباره ولم يزل الزاب في دعوة الأمير أبي زكريا وبنيه إلى أن استولى على الحضرة وبعده لهذا العهد كما تراه في الأخبار بعد إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن مهلك أبي عبد الله الفازازي شيخ الموحدين والحاجب أبي القاسم ابن الشيخ رؤساء الدولة بالحضرة

كان أبو عبد الله الفازازي من مشيخة الموحدين وكان خالصة للسلطان أبي حفص وعقد له على العساكر كما قدمناه ودفعه إلى الحروب وتمهيد النواحي فقام في ذلك المقام المحمود ودوخ الجهات واستنزل الثوار ودفعهم وجبى الخراج وكانت له في ذلك آثار مذكورة وفي بلاد الجريد ومشيختها تصاريف وأحوال‏.‏وهو الذي امتحن أحمد بن يملول بسعاية المشيخة من أهل توزر وكبح عنانه عن مراميه إلى الرياسة عليهم وهلك آخر حركاته إلى بلاد الجريد على مرحلتين من تونس سنة ثلاث وتسعين‏.‏ولسنة منها كان مهلك الحاجب أبي القاسم ابن الشيخ وكان من خبر أوليته أنه قدم من بلده دانية إلى بجاية سنة ست وعشرين واتصل بعاملها محمد بن ياسين فاستكتبه وغلب عليه‏.‏واستدعى ابن ياسين إلى الحضرة وابن الشيخ في جملته والتمس السلطان من يرشحه لكتابته ويخف عليه فأطنب ابن ياسين في وصف كاتبه أبي القاسم بن الشيخ وحلاه وابتلاه السلطان فلم يرضه وصرفه ثم راجع رأيه فيه واستحسنه ورسمه في خدمته‏.‏وأمر ابن أبي الحسين بتلقينه الآداب وتصريفه في وجوه الخدمة ومذاهبها فكان له ذلك غناء وخفة على مخدومه إلى أن هلك ابن أبي الحسين‏.‏وكان الخرج بدار السلطان موقوفاً على نظره من جملة ما إليه‏.‏وكان قلمه عاملاً فيه فأفرد ابن الشيخ بذلك بعد مهلكه إلى آخر أيام السلطان المستنصر‏.‏ولما ولي الواثق استبد ابن الحببر عليه كما قلناه فأبقاه على خطته واختصه لنفسه ودرجه في جملته‏.‏ثم جاءت دولة السلطان أبي إسحاق فأقامه في رسمه وزاحمه بأبي بكر بن خلدون صاحب أشغاله‏.‏وكان الرياسة الكبرى على عهده لبنيه أبي فارس ثم أبي زكريا وأبي محمد عبد الواحد من بعده‏.‏ثم كانت مضلة الدعي واستولى على ملكهم فاستخلص أبا القاسم ابن الشيخ واستضاف له إلى خطة التنفيذ كتاب العلامة في فواتح السجلات‏.‏فلما ارتجع السلطان أبو حفص ملكه وقتل الدعي خافه ابن الشيخ لما كان من رتبته عند الدعي فلاذ بالصلحاء لإثارة من الخير والعبادة وصلت بينهم وبينه فشفعوا له وتقبلها السلطان وأظهر لهم ذات نفسه في الحاجة إلى استعماله وقلده حجابته مجموعة إلى تنفيذ الخرج وصرف العلامة إلى غير ذلك من طبقة الدولة فلم يزل على ذلك إلى أن هلك سنة أربع وتسعين‏.‏وبقي اسم الحجابة من بعده في هذه الخطط الثلاث وأمر التدبير والحرب ورياستهما راجع إلى مشيخة الموحدين إلى أن تصرفت الأحوال وأديل بعضها من بعض كما يأتيك أثناء الأخبار وقلد السلطان من بعد ابن الشيخ حجابته لأبي عبد الله التحتي من طبقة الجند فقام بها إلى آخر الدولة والله وارث الأرض ومن عليها‏.‏

  الخبر عن مهلك السلطان أبي حفص وعهده بالأمر من بعده

لم يزل السلطان أبو حفص على أكمل حالات الظهور والدعة إلى أن استوفى مدته وأصابه وجعه أول في الحجة من سنة أربع وتسعين‏.‏ثم اشتد به الوجع وأهمه أمر المسلمين وما قلدوه من عدتهم فعهد لابنه عبد الله بالخلافة ثاني أيام التشريق‏.‏ونكره الموحدون لتخلفه عن المراتب بصغره وأنه لم يغتلم وتحدثوا في ذلك‏.‏وأفضى

  الخبر إلى السلطان فأسخطه وعدل عنهم إلى الشورى

مع الولي أبي محمد المرجاني وكان فيه جميلاً وظنه به صالحاً‏.‏وكان الواثق بن المستنصر لما قتل هو وبنوه بمحبسهم فرت إحدى جواريه وقد اشتملت على حمل منه إلى رباط هذا الولي فوضعته في بيته فسماه الشيخ محمداً وعق عليه وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة الحنطة فلقب بأبي عصيدة آخر الدهر‏.‏ثم صار بعد الاختفاء ودواعيه إلى قصورهم ونشأ في ظل الخلفاء من قومه حتى شب وبقيت له مع الولي أبي محمد ذم يثابر كل منهما على الوفاء بها فلما فاوضه السلطان أبو حفص في شأن العهد وقص عليه نكير الموحدين لولده أشار عليه الشيخ بصرف العهد إلى محمد بن الواثق فتقبل إشارته وعلم ترشيحه وأنفذ بذلك عهده بمحضر الملأ ومشيخة الموحدين وهلك آخر ذي الحجة سنة أربع وتسعين وإلى الله المصير‏.‏

  الخبر عن بيعة السلطان أبي عصيدة وما كان أثرها من الأحوال

لما هلك السلطان أبو حفص اجتمع الملأ من الموحدين والأولياء والجند والكافة إلى القصبة فبايعوا بيعة عامة لولي عهده السلطان أبي عبد الله محمد ويلقب كما ذكرناه بأبي عصيدة بن السلطان الواثق في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين فانشرحت لبيعته الصدور ورضيته الكافة وتلقب المستنصر بالله‏.‏وافتتح أمره بقتل عبد الله ابن السلطان أبي حفص لمكان ترشيحه وقلد وزارته محمد بن بريرزيكن من مشيخة الموحدين وأبقى محمد الشخشي على خطة الحجابة وصرف التدبير والعساكر ورياسة الموحدين إلى أبي يحيى زكرياء بن أحمد بن محمد اللحياني قتيل السلطان المستنصر عند تعرض ابنه للبيعة واستنامة الخلافة فقام بما دفع إليه من ذلك‏.‏وضايقه فيه عبد الحق بن سليمان رئيس الموحدين قبله حتى إذا نكب وهلك استبد هو على الدولة واستقل الشخشى بحجابته‏.‏وكان محمد بن إبراهيم بن الدباغ رديفاً له فيها‏.‏وكان من خبر ابن الدباغ هذا أن إبراهيم أباه وفد على تونس في جالية إشبيلية سنة ست وأربعين فولد هو بتونس ونشأ بها وأفاد صناعة الديوان وحسبانه - وكان من المبرزين فيه - أبي الحسن وأبي الحكم ابني مجاهد وأصهر إليهما في ابنه أبي الحسن فأنكحاه ورشحاه للأمانة على ديوان الأعمال‏.‏ولما استقل أبو عبد الله الفازازي بالرياسة استكتبه وكان طياشاً مستضعفاً على الخليفة فكان كاتبه محمد بن الدباغ يروضه لأغراض الخليفة إذا دسها إليه الحاجب ابن الشيخ فيقع ذلك من الخليفة أحسن المواقع‏.‏ولما ولي السلطان أبو عصيدة وكانت له عنده سابقة رعاها وكان حاجبه الشخشي بهمة غفلاً من أدوات الكتاب فاستكتب السلطان ابن الدباغ ثم رقاه إلى كتاب علامته سنة خمس وتسعين‏.‏وكان يتصرف فيها فأصبح رديفاً للشخشي في حجابته وجرت أمور الدولة على ذلك إلى أن هلك الشخشي سنة سبع وتسعين وقلده السلطان حجابته فاستقل لها على ما قدمناه من أن التدبير والحرب مصروف إلى مشيخة الموحدين

  الخبر عن نكبة عبد الحق بن سليمان وخبر بنيه من بعده

كان أبو محمد عبد الحق بن سليمان رئيس الموحدين لعهد السلطان أبي حفص وأصله من تينملل الموطنين بتبرسق مذ أول الدولة كانت له ولسلفه الرياسة عليهم وصارت إليه رياسة الموحدين كافة بالحضرة أيام هذا السلطان وكان له خالصة وشيعة وكان حريصاً على ولاية ابنه عبد الله للعهد‏.‏وكان يدافع نكير الموحدين في ذلك فأسرها له السلطان أبو عصيدة‏.‏ولما استوثق له الأمر وقتل عبد الله بمحبسه تقبض على أبي محمد بن سليمان واعتقله في صفر سنة خمس وتسعين‏.‏ولم يزل معتقلاً إلى أن قتل بمحبسه على رأس المائة السابعة وفر عند نكبته ابناه محمد وعبد الله فأما عبد الله فلحق بالأمير أبي زكريا وصار في جملته إلى أن دخل تونس مع ابنه السلطان أبي البقاء خالد‏.‏وأما محمد فأبعد المفر ولحق بالمغرب الأقصى ونزل على يوسف بن يعقوب سلطان بني مرين بمعسكره من حصار تلمسان فاستبلغ في تكريمه وأقام عنده مدة‏.‏ثم عاود وطنه ونزع عن طريقه إلى النسك ولبس الصوف وصحب الصالحين وقضى فريضة الحج واستمد عمره وحسنت فيه ظنون الكافة واعتقدوا فيه وفي دعائه وكثرت غاشيته لالتماس البركة منه‏.‏وأوجب له الخلفاء إزاء ذلك تجلة أخرى وأوفدوه على ملوك زناته مرة بعد مرة في مذاهب الود وقصود الخير‏.‏وحضر في بعضها الجهاد بجبل الفتح عندما نازلته عساكر السلطان أبي الحسن ولم يزل هذا دأبه إلى أن هلك في الطاعون الجارف في منتصف المائة الثامنة‏.‏

  الخبر عن مراسلة يوسف بن يعقوب سلطان بني مرين ومهاداته

كان السلطان أبو عصيدة لما استفحل أمره واستوسق ملكه حدث نفسه بغزو الناحية الغربية وارتجاع ثغورها من يد الأمير أبي زكرياء وكان الأمير أبو زكرياء قد انتقض عليه أهل الجزائر بعد مهلك عامله عليها من الموحدين من بني الكمازير وانبر بها بعده محمد بن علان من مشيختها‏.‏واستفحل أمر عثمان بن يغمراسن وبني عبد الواد من ورائه وتغلبوا على توجين ومغراوة ومليكش وكان شيعة لصاحب الحضرة بما كان متمسكاً بدعوتهم ومتقبلاً مذهب أبيه في بيعتهم فقويت غرائم السلطان أبي عصيدة لذلك ونهض من الحضرة سنة خمس وتسعين‏.‏وتجاوز تخوم عمله إلى أعمال قسطنطينة وأجفلت أمامه الرعايا والقبائل وانتهى إلى ميلة ومنها كان منقلبه إلى حضرته في رمضان من سنته‏.‏ولما ضايق عمل بجاية بغزوه أعمل الأمير أبو زكرياء نظره في تسكين الناحية الغربية ليفرغ عنها إلى مدافعة السلطان صاحب الحضرة فوصل يده بعثمان بن يغمراسن وأكد معه قديم الصهر بحادث الود والمواصلة‏.‏وفي خلال ذلك زحف يوسف بن يعقوب سلطان بني مرين إلى تلمسان وألقى عليها بكلكله‏.‏واستجاش عثمان بن يغمراسن بالأمير أبي زكرياء فأمده بعسكر من الموحدين لقيهم عسكر من بني مرين بناحية تدلس فهزموهم وأثخنوا فيهم قتلاً‏.‏ورجع فلهم إلى بجاية وسرح يوسف بن يعقوب عساكر بني مرين إلى بجاية وعقد عليها لأخيه أبي يحيى بعد أن كان عثمان بن سباع وفد عليها نازعاً عن صاحب بجاية إليه ومرغباً له في ملكها فأوسع له في الحباء والكرامة ما شاء وبعث معه هذا العسكر فانتهى إلى بجاية وضايقوها ثم جاوزوها إلى تاكرارت وبلا سدويكش وعاثوا في تلك الجهات ودوخوها وانقلبوا راجعين إلى سلطان يوسف بن يعقوب بمعسكره من تلمسان‏.‏وكان السلطان أبو عصيدة صاحب الحضرة لما علم بأمداد الأمير أبي زكرياء لعثمان بن يغمراسن بعث إلى يوسف بن يعقوب عدوهم وحرضه على بجاية ونواحيها وسفر بينهما في ذلك رئيس الموحدين أبو عبد الله بن أكمارير أولى سفارته‏.‏ثم سفر ثانية سنة ثلاث وسبعمائة بهدية ضخمة أغرب فيها بسرج وسيف ومهامز من الذهب مرصعة الحلى بالفاخر من حصباء الياقوت والجوهر‏.‏ووافقه في هذه السفارة الثانية وزير الدولة أبو عبد الله بن برزيكن ورجعا بهدية ضخمة من يوسف بن يعقوب كان من جملتهما ثلاثمائة من البغال‏.‏واتصلت المخاطبات والسفارات والهدايا والملاطفات‏.‏وكان يوسف ابن يعقوب يكاتب السلطان في تلك الشؤون تعريضاً ويكاتب رئيس الموحدين أبا يحيى بن اللحياني تصريحاً وترددت عساكر بني مرين إلى نواحي بجاية إلى أن هلك يوسف بن يعقوب كما يأتي في أخباره‏.‏

  الخبر عن مقتل هداج وفتنة الكعوب وبيعتهم لأبي دبوس

وما كان بعد ذلك من نكبتهم كان هؤلاء الكعوب قد أثرتهم الدولة واصطنعتهم منذ قيامهم بأمر الأمير أبي حفص فاعتزوا ونموا وبطروا النعمة وكثر عيثهم وفسادهم وطال إضرارهم بالسابلة وحطمهم للجنات وانتهابهم للزرع فاضطغن لهم العامة وحقدوا عليهم سوء آثارهم‏.‏ودخل رئيسهم هداج بن عبيد سنة خمس وسبعمائة إلى البلد فخزرته العيون وهمت به العامة وحضر المسجد لصلاة الجمعة فتجنوا عليه بأنه وطئ المسجد بخفه‏.‏وقال لمن نكر عليه ذلك‏:‏ ‏"‏ إني أدخل به مجلس السلطان ‏"‏ فثاروا به عقب الصلاة وقتلوه وجروا شلوه في سكك المدينة فزاد عيثهم وأجلابهم على السلطان‏.‏واستقدم أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب لذلك العهد عثمان بن أبي دبوس من مكانه بنواحي طرابلس ونصبه للأمر وأجلب به على الحضرة ونازلها‏.‏وخرج إليهم الوزير أبو عبد الله بن برزيكن في العساكر فهزمهم وسار بالعساكر لتمهيد الجهات وتسكين ثائر العرب فوفد عليه أحمد بن أبي الليل ومعه سليمان بن جانع من رجالات هوارة بعد أن راجع الطاعة‏.‏وصرف ابن أبي دبوس إلى مكانه فتقبض عليهما وبعث بهما إلى الحضرة فلم يزالا معتقلين إلى أن هلك أحمد بمحبسه سنة ثمان وقام بأمر الكعوب محمد بن أبي الليل ومعه حمزة ومولاهم ابنا أخيه عمر رديفين له‏.‏ثم خرج الوزير بالعساكر ثانية سنه سبع واستوفد مولاهم ابن عمر وتقبض عليه وبعث به إلى الحضرة فاعتقل مع عمه أحمد‏.‏وجاهر أخوة حمزة بالنفاق وأتبعه عليه قومه فكثر عيثهم وأضروا بالرعايا وكثرت الشكاية من العامة ولغطوا بها في الأسواق وتصايحوا‏.‏ثم نفروا إلى باب القصبة يريدون الثورة فسد الباب دونهم فرموا بالحجارة وهم في ذلك يعتدون ما نزل بهم من الحاجب ابن الدباغ ويطلبون شفاء صدورهم بقتله‏.‏ورفع أمرهم إلى‏.‏واستلحامهم جميعاً فأبى من ذلك السلطان وأمر بملاطفتهم إلى أن سكنت هيعتهم‏.‏ثم تتبع العقاب من تولى كبر ذلك منهم وانحسم الداء وكان ذلك في رمضان من سنة ثمان‏.‏واستمر العرب في غلوائهم إلى أن هلك السلطان فكان ما يأتي ذكره‏.‏